هاينريخ هملر

Heinrich Himmler

ولد في ميونيخ بألمانيا وكان ثاني ثلاثة أولاد لأبوين متديّنين يعتنقان المذهب الكاثوليكي هما جوزيف جبهارد هِملر و آنّا ماريا هِملر (واسم عائلتها "هايدَر"). وكان أبوه جوزيف معلّما ومديرا لمدرسة فيتلسباخ الثانوية ذات المكانة الرفيعة.

وقد سُمّي هِملر باسم أبيه الروحي الأمير هاينريخ البافاريّ سليل عائلة فيتلسباخ الملكية.1 وكان هِملر طالبا موهوبا إلا إنه كان انطوائيا ولا يجيد ممارسة الرياضة، الأمر الذي كان يحزن والده كثيرا. فبدلا من الرياضة كان لهِملر الصغير هوايات أخرى وهي الشطرنج وجمع الطوابع والعمل بالبساتين والعزف على البيانو القيثاري.

وكان هِملر مهووسا بعالم الحرب والسياسة لدرجة أنه أقنع والده بأن يُلحقه بمدرسة تدريب الضباط رغم عدم استيفائه المعايير البدنية اللازمة للالتحاق بتلك المدرسة. وتخرج هِملر قُبيل نهاية الحرب العالمية الأولى ولم يشترك في القتال نهائيا.

وفي عام 1919، حين كان في التاسعة عشرة من عمره، قرر هِملر أن يصبح قسيسا يسوعيا فأدرج نفسه كأحد طلاب المعهد التقني بميونيخ وذلك أثناء فترة الاضطرابات التي سادت الدولة السوفيتية البافارية قصيرة الأجل وحروب الشوارع التي تلتها. وفي تلك الأثناء استطاع هِملر،من خلال نفوذ عائلته الكاثوليكية، أن يتواصل عن كثب مع الأسقف باتشيلي السفير البابوي في ميونيخ والذي صار فيما بعد البابا بيوس الثاني عشر.

ويزعم البعض أن هِملر كان له دور في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت عام 1923، والمعروفة بـ"انقلاب بير هول"، إلا إنه أفلت من الاعتقال.  ولكن ضعف بنية هِملر يثير الكثير من الشكوك حول ما إذا كان يوما أحد أعضاء كتيبة العاصفة "أصحاب القمصان البُنّية" عام1923، فالأقرب أنه كان يقف موقف المتفرج المتحمس للفكرة.

 وعقب القبض على هتلر وهِس وآخرين، تم حظر الحزب النازي وكتيبة العاصفة التابعة له باعتبارهما منظمتين خارجتين على القانون. وبينما استمر الحزب النازي محظورا حتى عام 1927 فقد كان أمرا غير معقول أن يُفرَج عن هتلر في العشرين من شهر ديسمبر عام 1924، وذلك بعد تدخل كاثوليكي رفيع المستوى، أي بعد قضاء أقل من اثني عشر شهرا في السجن بتهمة الخيانة العظمى والتي كان يُعاقَب عليها بالإعدام في أغلب الأحيان. ومن بين كل كبار الزعماء الثوريين في النصف الأول من القرن العشرين، لم يكن هناك سوى جوزيف ستالين الذي سجّل له التاريخ تمتعه بحظ وافر مثل هتلر، فكل منهما نجا من احتمال إعدامه وخضع لعقوبة مخففة على غير العادة في مثل تلك الحالات.

وفي إثر الإفراج عنه، ركّز هتلر على الدعاية لنفسه وعلى الترويج لكتابه الجديد بعنوان "كفاحي". وخلافا للتاريخ الذي تَعَمّد البعض تنقيحه، لم يكن هناك وجود للحزب النازي ولا القوات الخاصة المعروفة بـ" الشوتزشتافل" (كلمة ألمانية تعني "فرقة الحماية") إلا في شهر مايو من عام 1927 بعد أن رُفع الحظر عن الحزب رسميا. فعوضا عن ذلك، كان هتلر محاطا بمجموعة صغيرة من الأفراد ذوي النفوذ كل منهم يتمتع بقدرات جوهرية ويضعها في خدمة هتلر، مثل رودلف هِس سكرتير هتلر الخاص وإرنست هانفشتانجل في مجال الإعلام وهانز فرانك المحامي ويوليوس شريك المسؤول عن أمن هتلر الشخصي.

وليس هناك دليل واضح يرشدنا إلى طبيعة الأنشطة التي كان يقوم بها هِملر بعد تخرّجه كقسيس يسوعيّ كامل الصلاحيات قبل نهاية عام 1925 وحتى ظهوره في المشهد عام 1929 كنائب لإرهارد هايدِن.

 ظهور القس هِملر والنازيين:

إن واحدة من جملة الأساطير السخيفة، والتي يتلقاها مشاهير المؤرخين والأكاديميين بالقبول، هي فكرة أنّ الشوتزشتافل (كلمة ألمانية تعني "فرقة الحماية" وتحمل نفس مفهوم "فِرَق القمصان السوداء" الايطالية التي كانت مسخّرة لحماية موسوليني الكاثوليكي) قد تشكلت عام 1925 لتكون بمثابة حرس هتلر الشخصي عقب خروجه من المعتقل.

وقد وصل الأمر إلى أن بعض المغامرين من الكتّاب قد "نقحوا التاريخ" وادّعوا أن الشوتزشتافل (وكانت الكلمة تُقسّم إلى مقطعين يبدأ كل منهما بحرف"إس" ليصبح اسمها "إس إس" اختصارا) قد كانت تطلق على نفسها "إس إس" وتستخدم شعار الجمجمة والعظمتين وتطلق على قائدها لقب "زعيم الرايخ – إس إس" وتستخدم التحية الرومانية (مد الذراع) نظرا لولائها للفاتيكان في روما.

 إن سخافة مثل هذه الأكاذيب تنكشف بسهولة عندما يأخذ المرء بعين الاعتبار أن سبب شهرة هتلر الرئيسي في عام 1925 هو كونه كاتبا وفيلسوفا سياسيا ناشئا.

في الواقع، إن الانتخابات التي خاضها حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني (الذي اشتهر بالحزب النازي) في مايو من عام 1928، وهي الأولى  بعد خضوعه لبعض الإصلاحات، كانت عارا وكارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.  وفي تلك الفترة، التي سادها جو من الإخفاق السياسي وتبادل الاتهامات بين أعضاء الحزب، انضم القس اليسوعي هاينريخ هِملر إلى الحزب وعُيّن من فوره نائبا لإرهارد هايدِن قائد فرقة الشوتزشتافل. وفي غضون بضعة أشهر استقال هايدِن من منصبه وعُيّن هِملر قائدا للشوتزشتافل.

إنه ذاك الحدث الذي وقع في 1929 جدير بالملاحظة رغم أنه نادرا ما يلتفت إليه أحد. رجل في التاسعة والعشرين من عمره يأتي من خارج المنظمة فرصته ضعيفة في تقلد منصب قيادي وخبراته العكسرية هزيلة، إلاإنه يتمتع بروابط كاثوليكية ويسوعية مثالية، وفجأة يتم تعيينه  قائدا للشوتزشتافل ليرأس بذلك 280 من صفوة رجال الأمن والحرس الشخصي المكلّفين بحماية هتلر نفسه.

 وما من شك على الإطلاق في أن تعيين هِملر في ذلك المنصب جاء مباشرة من الفاتيكان من خلال دعم اليسوعيين حيث إن هتلر لم يكن ليقبل تعيين مثل ذلك الشخص في منصب حرج دون أن يكون ذلك صادرا عن السلطة العليا بعينها.

ومرة أخرى فمن المهم أن نؤكد على أن فرقة الشوتزشتافل لم يكن يُطلق عليها "إس إس" وكان أعضاؤها يرتدون قمصانا بنية إلى أن وقّع كل من الكاردينال باتشيلي وفرانز فون بابِن (ممثلا عن ألمانيا) على معاهدة الرايخ عام 1933 والتي بمقتضاها منح الفاتيكان الشوتزشتافل برئاسة هِملر اليسوعي مجموعة من الصلاحيات الدينية الحصرية. وقد أدرج هِملر علامة "الجمجة والعظمتين" اليسوعية ضمن الشعارات العسكرية التي اتخذتها الشوتزشتافل، أما شعار "إس إس" سيئ السمعة فلم يدرجه هِملر إلا بعد معاهدة 1933.

وبدا واضحا أن الحزب النازي قد حالفه الحظ السياسي دون سابق إنذار وذلك بفضل تزايد عدد أعضائه من المجندين الانضباطيين الذين انضموا حديثا إلى الشوتزشتافل. ففي سبتمبر من عام 1930 حصل الحزب النازي على18.3% من الأصوات و107 مقاعد في البرلمان. 

وفي انتخابات يوليو عام 1932 ارتفعت نسبة الأصوات إلى 37.8% وحصل الحزب على 230 من أصل 608 مقاعد في البرلمان. إلا إنه في نوفمبر من عام 1932 انخفضت تلك النسبة لتصبح 33.1% و حصل الحزب على 196 من أصل 584 مقعدا في البرلمان.

وبحلول انتخابات عام 1933 كانت الشوتزشتافل بقيادة هِملر تضم ما لا يقل عن 52 ألفا من الأعضاء المدربين تدريبا عاليا والمقطوع بولائهم، وهو ما يُعدّ اختلافا  كبيرا عن حالة القصور التي شهدتها الفرقة في ميونيخ قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات.

وقد شهد العالم في مارس من عام 1933 كيف أن كلمة "نازي" قد أُطلق لها العنان لتعبر عن قوة دينية سياسية في الانتخابات التي تلت عملية تخريب البرلمان التي نفذها رجال الشوتزشتافل واتّهِم فيها الشيوعيون.

كثرة المعلومات المضللة:

في محاولة لصرف انتباه الناس بقدر الإمكان عن علاقات هِملر اليسوعية، نشأت روايات عن حياته الشخصية تدّعي أنه تزوج بامرأة حبلَى من طائفة البروتستانت تكبره بسبع سنوات وتُدعى مارغريت، وبعض الروايات تقول إنه كان على علاقة جنسية بها ولكن دون زواج. وقد كانت هذه الأكذوبة في محلها ونادرا ما كان يطعن أحد في صحتها رغم ما اشتهر عن هِملر أنه كان كاثوليكيا متعصبا من عائلة كاثوليكية متديّنة وذات نفوذ.

 وفي خدعة ذكية أخرى، يدّعي البعض، وإن كان ذلك نادرا، أنّ هِملر كان له "عمّ" وأنّ ذلك العمّ كان قسيسا يسوعيا ومن ثم فأية إشارة إلى الأب هِملر اليسوعي يُقصد بها عمّ هِملر وليس هاينريخ.

مولد شعار إس إس النازي

شهد حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني النازي تغيرا استثنائيا في هيكل السلطة؛ وتمثّل ذلك في ترقّي القس هِملر إلى رتبة زعيم الرايخ (وكان يطلق عليها كذلك زعيم الرايخ إس إس النازي) أو القائد الأعلى لفرسان الكرسي البابوي؛ فالحرفان إس إس عبارة عن اختصار لكمة سِيدِس ساكْرُورَم وهي كلمة لاتينية تعني "الكرسي البابوي".

كثير من المؤريخين يتعمدون إخفاء أولى بدايات استخدام لقب "زعيم الرايخ" (رايخ فُوهْرر) عن طريق إسقاط كلمة "النازي" أو حذف الحرفين "إس إس" لكي يتسنى لهم الإدعاء، بطريقة أو بأخرى، أنّ "زعيم الرايخ" كان هو اللقب الرسمي لقائد الشوتزشتافل منذ عام 1925. والسبب وراء هذا التزييف له شِقّان، فالشق الأول هو حَجْب  التاريخ الحقيقي، عام 1933، الذي شهد تغيّرا يتمثّل في إدخال الحرفين "إس إس" على اللقب الذي يحمله قائد الشوتزشتافل، والشق الثاني هو التعتيم على العلاقة بين حقيقة ظهور هِملر عام 1929 وبداية استخدام اللقب "زعيم الرايخ – إس إس النازي" قي عام 1933.

ولكنّ الأكثر استفزازا هو ذلك التاريخ الملفَّق الذي يعكف على إخفاء تلك الحقيقة القاطعة التي وقعت عام 1933 وهي أنّ هِملر علا شأنه وتفوّق على هتلر سلطة واسما ومكانة بعد التوقيع على معاهدة الرايخ مع الفاتيكان. فقد كان القس هِملر اليسوعي يحمل لقب زعيم الرايخ (رايخ فُوهْرر) وهو ما يُعد لقبا رفيعا مقارنة بمجرد لقب الزعيم (فوهرر) الذي كان يحمله هتلر. وكان لهِملر ولاية مستقلة  كاملة على كل من الشرطة والوحدات شبه العسكرية وجهاز الاستخبارات والبحث العلمي وتطوير الأسلحة وكذلك تلك القوات الخاصة المهولة التي وصل قوامها إلى 50 ألفا عام 1933. ولم تكن لهتلر أية سلطة على هِملر؛ في الواقع إنّ البغض الذي كان يكنّه كل منهما للآخر تظهره لنا الأفلام الأرشيفية عن الحرب حيث تعرض بالتفصيل لغة الجسد التي كانت تصدر عن كليهما.

وقبل أن يستخدم هِملر شعار "إس إس" فكثيرا ما كان يُستخدَم هذان الحرفان بصفة رسمية، اختصارا للاسم الشرعي للفاتيكان وهو سِيدِس ساكرورَم (الكرسي البابوي)، منذ القرن السادس عشر كعلامة تصديق على الوثائق الرسمية التي يصدرها الفاتيكان.

وإنها لمصادفة غير عادية أن يبدأ هِملر ورجال فرقته الخاصة يضعون شعار "إس إس" على ملابسهم العسكرية فور التوقيع على معاهدة الرايخ عام 1933 مع الـ"إس إس" أو السِيدِس ساكرورَم (الكرسي البابوي). وعلى ضوء الأربعمائة سنة التي ارتبط فيها شعار الـ"إس إس" بالكرسي البابوي، فإنه من المنطقي أن نستنتج أنّ ارتداءرهِملر ورفاقه ذلك الشعار أمر مرتبط ببعض السلطات الدينية والدنيوية الغير معلن عنها والتي أضفاها "إس إس" أو الكرسي البابوي على قوات الـ"إس إس" أو الشوتزشتافل.

عندما يمعن المرء تفكيره في أن أفضل ترجمة لشعار "إس إس النازي" هي "فرسان الكرسي البابوي" وفي أنّ أفضل ترجمة لدور هِملر هي أنه كان قاضي قضاة التفتيش وفي أن أكثر من ثمانية عشر مليونا من الأبرياء قد أُحرِقوا أحياء في معسكرات تقديم القرابين البشرية بروسيا وبولندا، فإنه سَيفطِن إلى أن قوات الـ"إس إس" كانت دون شك "الجيش المقدس" الجديد الذي يقوم بدور محاكم التفتيش ضد "المهرطقين" تحت إشراف الفاتيكان بروما.

ومع نهاية الحرب كان الجميع يعلمون أنّ هِملر يسعى لأن يكون وسيطا في معاهدة سلام تخدم مصلحته الشخصية، ولم يكن بمقدور هتلر أن يتخذ أي إجراء ضد هِملر بهذا الصدد، وهذه الحقيقة تعد دليلا دامغا على أن هتلر كان دمية تحركها قُوَى أكبر منه.

 وأخيرا، فإن هتلر وأتباعه المخلصون لم يحاولوا اغتيال هٍملر قط رغم ما كان يمارسه الأخير من اغتصاب سافر لسلطة هتلر في كثير من الأحيان، وهذه الحقيقة تشير إلى أنّ لقب "زعيم الرايخ – إس إس النازي" و المدلول الذي يحمله شعار "إس إس" كانا في غاية الأهمية.

في عام 1934، نجح هِملر في إقناع هِيرمان غورينغ والجنرال فِيرنر فون بلومبِرغ بأنّ إرنست رُوم وآخرين كانوا يتآمرون ضد الحزب النازي. وقد اغتيل رُوم وعدة آخرين فيما يعرف بليلة السكاكين الطويلة في الثلاثين من شهر يونيو عام 1934. وفي اليوم التالي صارت الـ"إس إس" منظمة مستقلة بذاتها.

وفي ذات العام (1934)، وقع الاختيار على هِملر ليكون رئيس البوليس السري الألماني المعروف بالغِستابو. وفي عام 1936، عُيّن هِملر رئيسا للشرطة الألمانية.

محاكم التفتيش التابعة للبابا بيوس الثاني عشر في طورها التالي:

في العاشر من فبراير عام 1939، انتُخِب المطران باتشيلي ليكون البابا بيوس الثاني عشر. وكان هِملر على رأس وفد النازيين الذين سافروا إلى الفاتيكان لتهنئة نَصِيرهم وراعيهِم. وكان ذلك في روما في شهر فبراير عام 1939 حين تلقى هِملر التعليمات الخاصة بالخطة الكبرى لمناهضة الإصلاح الديني، وهي أضخم حملة صليبية شنتها الكنيسة الكاثوليكية على الإطلاق للقضاء على نفوذ الدول البروتستانتية إلى الأبد؛ وكانت تلك الحملة مقرونة بخطة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

ولكنّ أحدﹰا لم يفطن جيدا إلى تلك الطبيعة الاستثنائية لذلك الحدث الذي جمع بي البابا بيوس الثاني عشر والقس هِملر اليسوعي؛ فقد كان ذلك استدعاءﹰ لهِملر ليتولى مهمة كبير قضاة محاكم التفتيش المقدسة بهدف القضاء على المهرطقين والدخول في عصر جديد من النفوذ الكاثوليكي في طول أوروبا وعرضها.

وخلال الاجتماع، أوضح البابا بيوس الثاني عشر استراتيجيته للقادة النازيين، وكان معه وقتها "ليدوتشوفسكي" الرئيس العام للرهبنة اليسوعية. وكان العدو رقم 1 هم المثقفون البروتستانت وكان اليهود هم الإسفين الذي تعتمد عليه الاستراتيجية.

كان القس هِملر يعلم أنه منذ أيام مارتن لوثر، الذي جنى ثروته ببيع كتيّبات مناهضة لليهود، والبروتستانت في أوروبا يظهرون معاداةﹰ شرسة للسامية واليهود؛ وكان ذاك هو الوقت لاستغلال معاداة السامية في إسقاط البروتستانت.

وفي غضون الأسابيع التي انقضت في تأمين بولندا، حَشَد هِملر كل ما يلزم للشروع في بناء معسكرات تقديم القرابين البشرية وفقا لتوجيهات البابا بيوس الثاني عشر والكنيسة الكاثوليكية في روما. وكان أهم قسم في تلك المعسكرات هو الأفران التي كانت مُعدَّة لتقديم ملايين البشر كقرابين لـ"مولوخ"، وهو إله قديم ذو قوة شريرة يعبده كبار كهنة طائقة الصدوقيين اليهودية.

وكانت غرف الغاز مصممة بحيث تُفْقِد الضحايا وعيهم مما يسهل وضعهم على صاجات معدينة وإدخالهم في الأفران. و خلافا لما ذكرته الوثائق الزائفة والشهادات الكاذبة، فقد بدأت المعسكرات أعمالها عام 1940 ولم تنتهِ سوى عام 1945.

وقد كان هِملر يقوم شخصيا بتفقّد المعسكرات وفريق العاملين المُنتقَى الذي كان يضم قساوسة يسوعيين وفرنسيسكان مدموجين في الـ"إس إس" ويتناوبون أداء صلوات شيطانية أمام الأفران كي تحلّ اللعنات طوال الوقت على عمليات الحرق والقتل.

ووصل الأمر إلى أنّ السجناء كانوا يستأجرون من يعزف على الآلات الموسيقية للشوشرة على صرخات أولئك الذين يُحرقون أحياءﹰ في الأفران.

وفي عام 1944، صار هِملر قائدا عاما لقوات "أعلى الراين" التي كانت قد تشكّلت حديثا للاشتباك مع الجيش السابع الأمريكي والجيش الأول الفرنسي، ولكنّه لم يستطع أن يُبديَ تفوّقا في القدرات القتالية. وفي الثالث عشر من مارس عام 1945، تنحّى همِلر عن القيادة مدّعياﹰ المرض.

هِملر يغيّر ولاءه ويُنقل إلى مكان آخر:

وفي أواخر شهر مارس من عام 1945، بدأ هِملر في التفاوض مع الكونت فولك بِرنادوت السويدي في مدينة لوبيك الألمانية وذلك للتواصل مع الأمريكان والبريطانيين حول كيفية تأمين تسوية سلمية، ولكنّ مفاوضاته باءت بالفشل.

وبالتأمل في العقوبات الصارمة التي كانت تُوَقّع على من يفشل من الجنرالات في السنوات الأخيرة من عهد الرايخ الثالث، فإن تصرفات هِملر تُثبِت عدم قدرة أحد على مساءلته أو عقابه ولو كان هتلر نفسه.

ويزعم البعض أنّ هِملر لمّ تثبط عزيمته واتصل بالجنرال دُوايْت ديفيد أيْزِنهاوِر في مقر قيادته إلا إنّ هناك روايات متناقضة فيما يتعلق بتفاصيل ذلك الاتصال الذي مازال يكتنفه الغموض إلى يوم الناس هذا.

ومن جملة ما اختلف فيه المؤرخون حول تفاصيل حياة هِملر هو ذلك الجدل الواسع حول ملابسات وقوعه في الأسر وانتحاره المزعوم. ففي الثاني والعشرين من شهر مايو عام 1945، "عثرت" وحدة عسكرية بريطانية على هِملر ولكنّ البعض يزعم أنه تمكّن من الانتحار في اليوم التالي إذ ابتلع سُمّا قبل خضوعه للاستجواب.

وعقب إخطارها بوفاة هِملر، أمرت قيادة قوات الحلفاء بتشريح جثته رسميّا وجمع الأدلة الجنائية والفوتوغرافية، وهو ما كان حدثا نادرا جدا أثناء فترة الحرب.

وبخلاف كل الحرص المزعوم الذي بُذِل حيال "جثة" هِملر، فإن ما حدث بعد ذلك يخالف العقل والمنطق إذ يظن البعض أن جثمانه قد دُفِن سريعاﹰ في قبر ليست له معالم مع تعمُّد إخفاء مكانه الحقيقي. وحتى يومنا هذا، لا يعلم أحد مكان القبر بالضبط. ورغم ما يَدَّعيه المؤرخون من أنّ معرفة مكان القبر ليس أمرا ذا أهمية، فإن ذلك الأمر يبقى واحدا من أكبر المفارقات والسخافات التي عرفها التاريخ.

ومع التسليم بذلك الادّعاء الغريب والمتناقض بأنّ جثمان هِملر تمّ التخلص منه وإخفاؤه على وجه السرعة، فإن تقارير الطب الشرعي المزعومة وبعض الصور عالية الجودة هي كل ما بقى لدينا لتأكيد صحة انتحاره. ولكن يبدو أنّ العلامات الرئيسية والفريدة التي كان يتميز بها هِملر قد غابت عن تقرير الطب الشرعي، وكانت أبرزَ تلك العلامات الندبةُ المستقرة على وجهه منذ الطفولة.

وبالجمع بين حادثة سَعْي هِملر الصريح نحو مرور آمن قبل وقوعه في الأسر والملابسات الغريبة التي اكتنفت وفاته المزعومة، فإننا نكاد نصل إلى درجة اليقين بأنّ هِملر قد نُقِل سرﹰا إلى مكان آخر.

وغلبة الظنّ أنّ هِملر كان بمثابة "الجائزة الكبرى" بالنسبة للولايات المتحدة لكونه على علم بأهم العلماء الألمان في مجال الأسلحة والأبحاث والصواريخ والطائرات المتطورة. هذا خلافاﹰ للمؤرخين الذين ينقّحون التاريخ ويتعاملون معه بطريقة تفتقر إلى المنظق حيث يعظّمون من شأن السلطات التي كان يتمتع بها هِملر من ناحية ثم يحطّون من قيمته الاستخباراتية لدى الحلفاء من ناحية أخرى فيغضون الطرف عن كونه المسؤول الأول عن كل مشروع نازي في المجالين العلمي والعسكري.

وكانت المشكلة الوحيدة تكمن في الاحتفاظ بهِملر في موقع قريب من الولايات المتحدة ولكن في ظل نظام حكم يضمن عدم كشف هويته. وكان ذلك المكان هو كوبا.

وعلى العكس من تلك الأكذوبة المتعَمَّدة التي تقول إنّ الأرجنتين كانت تضم أكبر عدد من مجرمي الحرب النازيين خارج القواعد العسكرية الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية، فقد ظلّت كوبا ملاذا رئيسا يلجأ إليه كبار المسؤولين النازيين السابقين مثل القس هِملر وذلك رغم ما كان فيها من اضطراب سياسي. ففي حقيقة الأمر، ظلّ اليسوعيون يحكمون جزيرة كوبا بقبضة من حديد، وما كان من عودة فلوغينسيو باتيستا عام 1952 إلا أن زادت من نفوذهم.

وعلى الأرجح، فإن هِملر لم يعش طويلا عقب وفاة أستاذه ورفيق عمره البابا بيوس الثاني عشر في التاسع من أكتوبر عام 1958. وبعد وفاة هِملر بوقت وجيز، قامت قوات كاسترو، تلميذ اليسوعيين، بشن هجومها "للاستيلاء على السلطة" في كوبا والتخلّص ممن كانوا في سدة الحكم. وفي غُرَّة يناير عام 1959، كان كبار رجال الجيش والاستخبارات، الذين عملوا في ظل الأنظمة السابقة، قد اعتُقِلوا و أُعدِموا.

  • 1. Richard Breitman. Himmler and the Final Solution: The Architect of Genocide (London: Pimlico, Random House, 2004), p. 9.