أنت هنا

إلوميناتي (المتنورون)

Illuminati

ظهرت لفظة "إلوميناتي" أو "المتنورين" للوجود للمرة الأولى في القرن الخامس عشر الميلادي. وقد أطلقت تلك التسمية أو بالأحرى تم انتحالها من قبل بعض المناصرين المتحمسين الذين تمايزوا إلى فرقتين وفقاً لمعتقدهم فيما يخص "النور"، إذ يعتقد أصحاب الفرقة الأولى أنهم يستمدون هذا النور من مصدر علوي يتواصلون معه بصورة مباشرة، بينما يعتقد أصحاب الفرقة الثانية أنه نتاج حالة من الصفاء والسمو تتلبس العقل البشري.

وينتمي للفرقة الأولى جماعة ألومبرادوس، الناشئة في أسبانيا. وقد كان المؤرخ مينينديز بيلايو (Menendez Pelayo) هو أول من كشف النقاب عن وجود الجماعة تحت هذا المسمى، وذلك في العام 1492 تقريبًا ( ثم تحت مسمى ألوميرادوس في العام 1498 ). لكنه اقتفى أثر هذه الجماعة ليجد أن جذور منشأها ترجع إلى الفلسفة الغنوصية أو فلسفة العرفان، كما أنه رأى أن الأفكار المنبثقة عنها قد تم تطويرها والترويج لها في أسبانيا، وذلك عبر بعض المؤثرات الصادرة من إيطاليا.

وتعتبر الراهبة الإسبانية الملقبة بـ لا بياتا دي بيدراهيتا أو راهبة بيدراهيتا المباركة واحدة من الرواد الأوائل لجماعة ألومبرادوس، وقد ولدت تلك الراهبة في بلدة شلمنقة الإسبانية لأبٍ ينتمي لطبقة العمال الكادحين. وقد وصلت بعض الأخبار بشأنها لمحاكم التفتيش في العام 1511، فقيل عنها أنها تزعم أنها على صلة مباشرة مع المسيح والعذراء مريم، وأنها تتبادل الحوارات معهم. لكن المحكمة لم تصدر أي قرار ضدها، إذ كان لديها عددًا من المناصرين ذوي النفوذ.

كما وقد مَثُلَ القديس إغناطيوس لويولا أمام اللجنة الكنسية أثناء فترة دراسته في بلدة شلمنقة، بتهمة التعاطف مع أفكار جماعة ألومبرادوس. لكنه تمكن من الإفلات من العقاب، إذ أنه تلقى تحذيرًا هرب بعده من المدينة.

لكن هناك آخرون لم يتمتعوا بهذا الحظ الوافر، ففي العام 1529، تم مداهمة بلدة طليطلة الإسبانية من قبل محاكم التفتيش، حيث خضع مجموعة كبير ة من أنصار جماعة ألومبرادوس لعمليات تعذيب وانتهى الأمر بكثير منهم في غياهب السجون. وتلا ذلك حملات أكثر ضراوة، قدمت على أثرها جماعة ألومبرادوس، على مدار ما يقرب من قرن كامل، الكثير من الضحايا في أروقة محاكم التفتيش، على الأخص في مدينة قرطبة.

وفي العام 1623، بدا أن الحركة قد نجحت في الوصول إلى دولة فرنسا عبر مدينة أشبيلية، وذلك تحت مسمى إلومينيز. وتمكنت من الفوز بنسب متفاوتة من المؤيدين في نطاق منطقة بيكادري الفرنسية، وذلك في العام 1634، عندما انضم لها بيير غيران، القس بكنيسة سانت جورجيز الواقعة بمدينة روي الفرنسية، والذي اشتهر بأتباعه الكثر، الذين عرفوا باسم غيرانيتس.  لكن سرعان ما تم اضطهادهم في العام 1635.

على صعيد أخر، فقد ظهر إلى النور في العام 1722 كيانًا غامضًا آخر يتبع جماعة ألومينيز في جنوب فرنسا. وقد أخذ هذا الكيان ينمو بهدوء حذر حتى عام 1794. كما وقد لوحظ أن ثمة أوجه شبه عديدة يربط بين هذا الكيان وتنظيمًا أخرًا كان قائمًا ومنتشرًا في فرنسا بالتزامن مع نشأته، هو تنظيم "الأنبياء الفرنسيون"، والذي يُعد فرعًا من أصل طائفة "الكاميزاردز" المتعصبة.

وهناك نوع آخر من التنظيمات التي تندرج تحت ما يسمي بـ"الإلوميناتي"، وهو ما درج معرفته بأخوية الصليب الوردي (الروزيكروشين)، التي انطلقت الدعوات لإنشائها في العالم 1422، لكنها بدأت تظهر للعيان بعد تسليط الأضواء عليها في عام 1537، وأخوية الصليب الوردي عبارة عن مجتمع سري يجمع بين أسرار الكيمياء القديمة (الخيمياء) والاستحواذ على المبادئ والمعتقدات الدينية المحصورة على فئة بعينها. وقد ظهرت آرائهم جليةً في ثلاث أطروحات قاموا بنشرها في عام 1614، دون الإفصاح عن هويتهم.

وفي الأول من مايو عام 1779 قام البروفيسور آدم وايسهاوبت (ت. 1830)، أستاذ القانون الكنسي بجامعة إنجولدشتات، ويسوعي سابق، بتأسيس حركة قصيرة الأجل، ذات صبغة جمهورية، تدعو إلى حرية الفكر. وقد عُرِفَ مناصرو تلك الحركة باسم "إلوميناتي" أو "المتنورين". لكن الاسم التي تم اختياره للتعريف بهذا التنظيم أو الجمعية كان منظمة "الفرسان المتنورين". وقد تعهد أعضاء هذه المنظمة بالطاعة لكل من هو أرفع درجة منه، إذ أن أعضاءها قد تم تقسيمهم إلى ثلاث طبقات رئيسية: الأولى، تضم المبتدئين والمنيرفال والأقل  تنورًا. والطبقة الثانية خاصة بالماسونيين، وتتكون من عامة، اسكتلنديين وفرسان اسكتلنديين. أما الطبقة الثالثة والأخيرة، فهي طبقة الأسرار، وهي على درجتين، أولهما: للكاهن ووصي العرش أو الأمير، والثانية: تضم "المجوسي" أو الساحر والملك.

وقد تم توطيد العلاقات بين هذه المنظمة ولبمحفل الماسوني الكائن في مدينتي ميونيخ وفريسنج بألمانيا في عام 1780. وانتشرت أذرع التنظيم في معظم دول القارة الأوروبية. إلا أن العدد الإجمالي لأعضاء التنظيم ربما لم يتخطى الألفين عضو. وقد شكل مخطط التنظيم عامل جذب للكثير من الأدباء من أمثال جوته وهيردير، حتى أنه قد استهوى دوقي مدينتي جوتا وفايمار.

لكن هذا التنظيم سرعان ما تهاوى، بعدما عصفت به الصراعات الداخلية، ثم أجهز عليه مرسوم الحظر الصادر عن الحكومة البافارية في عام 1785. بيد أن أسم "إلوميناتي" ما لبث أن أطلق على جماعة من أنصار المارتينية الفرنسية، التي تأسست في عام 1654، على يد مارتينيز باسكواليز، ومن حاكاهم  من أنصار المارتينية الروسية وعلى رأسهم شوارتز البروفيسور بجامعة موسكو، وذلك في العام 1790. ومن الجدير بالذكر أن كلتا الجماعتان قد تطابقا في تبنيهم لمعتقدات مذهبي القبالاة والرمزية، وتشربهما لأفكار كلٍّ من جاكوب بوم، وعمانوئيل سويدنبورج.