النازية

توثيق

هذه المقالة بحاجة إلى توثيق.
Nazism

إيديولوجية الحزب النازي الذي نشأ عام 1933 عقب توقيع فرانز فون بابِن (نائبا عن ألمانيا النازية) والكاردينال يُوجِينيو باتشيلِّي (البابا بَيُوس الثاني عشر لاحقا) على معاهدة الرايخ "المقدّسة".

وكان مصطلح "نازي" هو الاسم الجديد لحزب العمّال الاشتراكي القومي الألماني، وكان أول استخدام لهذا المصطلح عام 1933 عقب تولّي الزعيم (الفُورَر) أدولف هتلر الكاثوليكي المتعصب منصب المستشار الألماني.

وبوصفهم تنظيماً ذا نشاطات دنيوية ويتْبَعون الكنيسة الكاثوليكية الرومية، فقد كان النازيون يتمتعون بـ "مكانة معصومة" أضفاها عليهم البابا لشن حملة صليبية مقدسة ومتواصلة، نيابة عن الكنيسة الأم، ضد كافة المُهَرطِقين وذلك للذَّود عن اسم الكنسية الكاثوليكية الرومية المقدسة وخدمةِ مصالح الـ"إس إس" (سِيدِس ساكْرُورَم أو الكرسي البابوي) [المصدر؟].

ولما كان التنظيم النازي (فرسان الرايخ) قد تشكّل بموجب مرسوم بابَويّ وبمقتضى وثيقة معاهدة الرايخ عام 1933، فإن استمرار وجود ذلك التنظيم متوقّف على سريان تلك الوثيقة القانونية. فإذاّ أخذنا بعين الاعتبار أنّ الحكومة الألمانية والكرسي البابوي (الفاتيكان) مازالا يلتزمان بتلك المعاهدة إلى يوم الناس هذا، فإن التنظيم النازي مازال مُفَعَّلاً من الجانبين القانوني والفني.وبوصفهم تنظيماً دينياً تابعاً للكنسية الكاثوليكية الرومية، فقد وهب البابا النازيين، مَثَلُهم مَثَل اليسوعيين، نعمة استثنائية وهي غفران جميع خطاياهم (ومِن ثَم دخول الجنة) التي كان عليهم ارتكابها لأداء مهامهم الدنيوية.

هتلر وتأسيس حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني:

وُلِد حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني في بواكير عام 1920 ليكون تطوّرا لجماعة سياسية سابقة وهي حزب العمال الألماني المتطرِّف الذي أسّسه أنْتُون درِيكْسلِر(1884-1942) وآخرون من بينهم غُوتفِرِيد فِيدِر ودِيتْرِيش إيكارت وكارْل هارَر.

وقد بدأت علاقة أدولف هتلر بحزب العمال الألماني حوالي شهر يونيو من عام 1919، أي بعد تأسيس الحزب بخمسة أشهر، حيث كان عميلا مزدوجا وضابط استخبارات يعمل لحساب منظمة رايْخْسْفِير (الدفاع الوطني) البافارية الكاثوليكية التي كلّفَتْه بعمل تقارير عن أنشطة الحزب. وقد جاء قبوله كأحد رجال شبكة الاستخبارات بمنظمة الدفاع الوطني البافارية الكاثوليكية بناءﹰ على دَعْم من جانب السفير البابوي الكاثوليكي المطران يُوْجِينْيو باتشِيلِّي الذي كان مقَرُّهُ ميونيخ في ذلك الوقت.

وفي الفترة من أواخر عام 1919 حتى انتقاله إلى برلين عام 1925، كان هتلر يجتمع بأستاذه الكاردينال باتشِيلِّي كل بضعة أسابيع حيث كان، على الأرجح، يوافي المطران بآخر ما أحرزه مِن تقدّم ويتلقّى تعليمات جديدة في ذات الوقت. وقد جاء الدليل على "حقيقة" الاجتماعات الدورية والمنتظمة بين هتلر وباتشيلي  على لسان الأخت باسكالينا لِينَرْت مدبّرة منزل باتشيلي وصديقته على مدار 41 عاما.

وقد قُبِل هتلر ليكون العضو الخامس والخمسين بحزب العمال الألماني ولم يَكُن له دور فعّال حتى بداية عام 1920 حين كان حزب العمال الألماني الضئيل يواجه خطر الإفلاس والتصفية بسسب إدارة درِيكْسلِر و فِيدِر و إيكارت وهارَر الفاشلة لصحيفة مُنْشِنَر بِيوباخْتَر (مرصد ميونيخ) الأسبوعية التي تصدرها جمعية "ثولِي".

وبدلا من أنْ يُعْهَد إليه بمهمة استخباراتية أخرى، فقد سُرِّح هتلر فورا من الخدمة العسكرية تسرحيا مشرّفا بنهاية شهر فبراير عام 1920؛ ولكنه تحوّل فجأة من رجل عاطل عن العمل وعضو بحزب صغير إلى الرجل الذي أنقذ حزب العمال الألماني حيث قام بتوفير الأموال اللازمة لاستمرار الحزب والصحيفة وسداد ديونهما.

وكعلامة على ما صار لهتلر من تأثير وسطوة بوصفه الممول الذي صنع المعجزات، فقد غيّر الحزب اسمه في مارس من عام 1920 إلى حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني كما تغيّر اسم الصحيفة إلى فُولكِيشَر بِيوباخْتَر (مرصد الشعب) وذلك بعد أن اشتراها الحزب، باسمه الجديد، من جمعية ثولِي؛ وقد كذب.

وفي وقت لاحق، أطلق اليسوعيون فِرْية في كتاب "كفاحي" حيث زعموا أن صاحب هذا القرار الاستراتيجي بتغيير اسم الحزب هو دِيتْرِيش إيكارت معاقر الخمر ومدمن المخدرات المذبذب. والذي لم يُذكَر نهائيا في الكتاب هو أنّ هتلر أتى بأموال تُقَدَّر بملايين الدولارات من العدم ليُحوّل زمرة من الأشخاص إلى حركة سياسية.

محاولة حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني الفاشلة لتولي زمام الحكم بالقوة:

 ورغم تهيئة هتلر حبل النجاة لإنقاذ الحزب مالياﹰ، إلا إنّ أعضاء جمعية ثولي ظلوا غير متحمسين لتحويل الحزب إلى حركة سياسية حقيقية؛ وفي الوقت ذاته لم يكن عندهم الرغبة في التنَحّي جانبا وإفساح المجال لغيرهم.

ومع بدايات عام 1921، قام الكاردينال باتشيلِّي بتقديم العون لهتلر من خلال إقحام شخصيات كاثوليكية مهمة وموثوق بها في حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني من وقت لآخر؛ وكان من بين هؤلاء رُودُلْف هِس، وهانز فرانك، وألفريد روزِنبِرْغ. وفي اجتماع استثنائي لأعضاء الحزب في الثامن والعشرين من شهر يوليو عام 1921، اتخذ هتلر خطوته التالية حيث انْتُخِب رئيسا لحزب العمال الاشتراكي القومي الألماني على عكس رغبة مؤسسيه.

والآن وقد تولى تلميذه زمام الأمور، فقد سعى باتشيلِّي جاهدا نحو التعجيل بإخضاع حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني لعملية تحول كامل. فبعد تعيينه في منصب "فُوْرَر" بوقت وجيز، قام الرئيس العام للرهبنة اليسوعية فلوديمير ليدوخوفسكي بتزويد أدولف هتلر بقساوسة يسوعيين عام 1921 للمساعدة في إنشاء جناح شبه عسكري  لحزبه يُعرَف بكتيبة العاصفة (SA) أو "أصحاب القمصان البُنيَّة"، وكان إرنست رُوْم هو أول من تولى قيادة كتيبة العاصفة. كما تم اختيار الصليب المعقوف ليكون الشعار الرسمي الجديد للحزب.

وكانت الخطة التي تلقَاها هتلر من الكاردينال باتشيلِّي في أواخر عام 1921 هي أن ينظم أعضاء حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني أنفسهم كميليشيا كاثوليكية لديها استعداد للاستيلاء على السلطة في ذلك العام. ورغم انضمام مُجنَّدين جدد للحزب وامتلاء حسابه البنكي بملايين الدولارات من الذهب، فقد أظهر أعضاء الحزب عجزا تامَا عن تنظيم أنفسهم كقوة عسكرية سياسية.

وعلى النقيض، فقد أظهر الحزب الوطني الفاشي برئاسة بنيتو موسوليني ،وفِرَق "القمصان السوداء" التابعة له، مقدرة أعلى بكثير حيث فاز في الانتخابات الإيطالية عام1922 ثم قام بانقلاب عسكري ليستولي بذلك على كامل السلطة في أكتوبر من عام 1922.

ومع بداية شهر نوفمبر من عام 1923 وبعد كَمّ هائل من النفقات، صار حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني يضم قرابة عشرين ألف عضو بالإضافة إلى بضعة آلاف في كتيبة العاصفة "أصحاب القمصان البُنيَّة". ولما كان هتلر واقعا تحت ضغط المطالَبة بإظهار الثمار، فقد شن انقلابه العسكري لمحاولة الاستيلاء على السطلة في ألمانيا ليلة الثامن من نوفمبر، وتُعرَف تلك المحاولة بـ"انقلاب بِير هُوْل". وقد بدأ الأمر بمسيرة ضمت ألفين من أنصار الحزب وجابت شوارع ميونيخ، ولكن المحاولة باءت بالفشل في الحال حيث قامت قوات الدفاع الوطني بإطلاق النار على الثوار كما ألقي القبض على هتلر وباقي قيادات الحزب و تمت إدانتهم بجريمة الخيانة في مارس من عام 1924 ؛وكان من جملة العقوبات أن حُظِر على الحزب إنشاء أجنحة عسكرية ومُنِع من الترشَح في الانتخابات لمدة أربع سنوات.

وتجدر الإشارة إلى عدم وجود أي دليل موثوق على أن هاينريخ هِملر كانت له علاقة، بحال من الأحوال ، بهتلر أو بأي من أعضاء حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني قبل عام 1929. كذلك ما من دليل موثوق البتّة على أنّ حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني استخدم كلمة "نازي" أو "الحزب النازي" قبل ظهور هِملر.

ورغم المدة شديدة القِصَر التي قضاها هتلر في السجن (استمرت اثني عشر شهرا وانتهت في العشرين من ديسمبر عام 1924)، فقد تحول ذلك الحدث إلى مكسب دعائي كبير وظّفَه باتشيلِّي واليسوعيون لحساب تلميذهم. ربما كان هتلر خطيبا رائعا، إلا إنه كان يجيد الكتابة مثلما يجيد رسم اللوحات. وقد قام برنارد شتِمْفليه اليسوعي بزيارة هتلر عدة مرات في محبسه بسجن لانسْبِرغ ليستقي منه الأفكار والعناصر الأساسية التي تصلح لكتابة سيرة ذاتية ورؤية سياسية يتم جمعهما في كتاب بعنوان (Mein Kampf) "كفاحي"، وقد كانت هذه عملية شاقة بالنسبة لهتلر.

وعقب إطلاق سراح هتلر ببضعة أشهر، كان برنارد شتِمْفليه قد فرغ من كتابة المجلد الأول الذي تألف من نحو اثني عشر فصلا ذكر فيهم بإيجاز الحجج الجوهرية التي تؤيد الوطنية الكاثوليكية (الفاشية) في ألمانيا بالإضافة إلى وابل من الأحداث والحكايات شبه الخيالية عن حياة هتلر.

بل إن اليسوعيين قد تحصّلوا على وكيل دعاية من الطراز الأول يُدعَى إرنست هانفشتانجل ، وهو أمريكي وُلدَ في بافاريا. وكان ذلك الرجل قد عمل لحساب فرانكلين ديلانو روزفِلت كما كانت تربطه علاقات حميمة بكثير من عِليَة القوم في ألمانيا والولايات المتحدة بما فيهم قطب الإعلام الأمريكي آنذاك وليام راندولف هِرست. وقد لعب هانفشتانجل دورا جوهريا في تجميل صورة هتلر أمام العامة وذلك بتصويره على أنّه "فارس نصراني كاثوليكي" يقف في مواجهة "الخطر اليهودي الذي يهدد العالم".

ورغم تعزُّز موقف هتلر كأشهر شخصية تتداولها وسائل الإعلام عالميا، فقد ظلّ هو وحزبه ممنوعين من المشاركة في الانتخابات حتى عام 1927. وخلافا للمعلومات المغلوطة عن عمد والتي تدّعِي أنّ حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني قد شارك خفية في الانتخابات الألمانية الوطنية لعام 1924 تحت اسم "حركة الحرية القومية الاشتراكية"، فإن أول انتخابات ترشح فيها هتلر وحزبه على الإطلاق كان تلك التي أُجرِيَت في العشرين من مايو عام 1928 والتي حصل فيها الحزب على 2.6% من إجمالي عدد الأصوات، وهي نسبة هزيلة رغم أن هتلر ذائع الصيت كان يترأس الحزب آنذاك.

وفي الوقت ذاته، كان موسوليني قد فرض سيطرته المطلقة على إيطاليا منذ عام 1922، فبات واضحا أنّ النظام السياسي بأكمله داخل حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني بحاجة إلى أن يتغير.

ظهور الأب اليسوعي هِملر والنازيين:

إن واحدة من جملة الأساطير السخيفة، والتي يتلقاها مشاهير المؤرخين والأكاديميين بالقبول، هي فكرة أنّ الشوتزشتافل (كلمة ألمانية تعني "فرقة الحماية" وتحمل نفس مفهوم "فِرَق القمصان السوداء" الإيطالية التي كانت مسخّرة لحماية موسوليني الكاثوليكي) قد تشكلت عام 1925 لتكون بمثابة حرس هتلر الشخصي عقب خروجه من المعتقل.

وقد وصل الأمر إلى أن بعض المغامرين من الكتّاب قد "نقحوا التاريخ" وادّعوا أن الشوتزشتافل (وكانت الكلمة تُقسّم إلى مقطعين يبدأ كل منهما بحرف"إس" ليصبح اسمها "إس إس" اختصارا) قد كانت تطلق على نفسها "إس إس" وتستخدم شعار الجمجمة والعظمتين وتطلق على قائدها لقب "زعيم الرايخ – إس إس" وتستخدم التحية الرومية (مد الذراع) نظرا لولائها للفاتيكان في روما.

إن سخافة مثل هذه الأكاذيب تنكشف بسهولة عندما يأخذ المرء بعين الاعتبار أن سبب شهرة هتلر الرئيسي في عام 1925 هو كونه كاتبا وفيلسوفا سياسيا ناشئا  تحيط به مجموعة من الأفراد  الذين تربطهم علاقات وطيدة  وكل منهم يتمتع بقدرات جوهرية ويضعها في خدمة هتلر، وكان من بينهم: رودلف هِس سكرتير هتلر الخاص، وإرنست هانفشتانجل في مجال الإعلام، وهانز فرانك المحامي، ويوليوس شريك المسؤول عن أمن هتلر الشخصي. وعلاوة على ذلك، فإن حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني كان منظمة محظورة على رؤوس الأشهاد حتى عام 1927.

في الواقع، إن الانتخابات التي خاضها حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني (الذي اشتهر بالحزب النازي) في مايو من عام 1928، وهي الأولى  بعد خضوعه لبعض الإصلاحات، كانت عارا وكارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.  وفي تلك الفترة، التي سادها جو من الإخفاق السياسي وتبادل الاتهامات بين أعضاء الحزب، انضم القس اليسوعي هاينريخ هِملر إلى الحزب وعُيّن من فوره نائبا لإرهارد هايدِن قائد فرقة الشوتزشتافل. وفي غضون بضعة أشهر استقال هايدِن من منصبه وعُيّن هِملر قائدا للشوتزشتافل.

ومرة أخرى فمن المهم أن نؤكد على أن فرقة الشوتزشتافل لم يكن يُطلق عليها "إس إس" وكان أعضاؤها يرتدون قمصانا بنية إلى أن وقّع كل من الكاردينال باتشيلي وفرانز فون بابِن (ممثلا عن ألمانيا) على معاهدة الرايخ عام 1933 والتي بمقتضاها منح الفاتيكان الشوتزشتافل برئاسة هِملر اليسوعي مجموعة من الصلاحيات الدينية الحصرية. وقد أدرج هِملر علامة "الجمجة والعظمتين" اليسوعية ضمن الشعارات العسكرية التي اتخذتها الشوتزشتافل، أما شعار "إس إس" سيئ السمعة فلم يدرجه هِملر إلا بعد معاهدة 1933.

وبدا واضحا أن الحزب النازي قد حالفه الحظ السياسي دون سابق إنذار وذلك بفضل تزايد عدد أعضائه من المجندين الانضباطيين الذين انضموا حديثا إلى الشوتزشتافل. ففي سبتمبر من عام 1930 حصل الحزب النازي على18.3% من الأصوات و107 مقاعد في البرلمان. 

وفي انتخابات يوليو عام 1932 ارتفعت نسبة الأصوات إلى 37.8% وحصل الحزب على 230 من أصل 608 مقاعد في البرلمان. إلا إنه في نوفمبر من عام 1932 انخفضت تلك النسبة لتصبح 33.1% و حصل الحزب على 196 من أصل 584 مقعدا في البرلمان.

وبحلول انتخابات عام 1933 كانت الشوتزشتافل بقيادة هِملر تضم ما لا يقل عن 52 ألفا من الأعضاء المدربين تدريبا عاليا والمقطوع بولائهم، وهو ما يُعدّ اختلافا  كبيرا عن حالة القصور التي شهدتها الفرقة في ميونيخ قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات.

وقد شهد العالم في مارس من عام 1933 كيف أن كلمة "نازي" قد أُطلق لها العنان لتعبر عن قوة دينية سياسية في الانتخابات التي تلت عملية تخريب البرلمان التي نفذها رجال الشوتزشتافل واتّهِم فيها الشيوعيون.

إس إس النازية:

شهد حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني النازي تغيرا استثنائيا في هيكل السلطة؛ وتمثّل ذلك في ترقّي القس هِملر إلى رتبة زعيم الرايخ (وكان يطلق عليها كذلك زعيم الرايخ إس إس النازي).

وكثير من المؤرخين يتعمدون إخفاء أولى بدايات استخدام لقب "زعيم الرايخ" (رايخ فُوهْرر) عن طريق إسقاط كلمة "النازي" أو حذف الحرفين "إس إس" لكي يتسنى لهم الإدعاء، بطريقة أو بأخرى، أنّ "زعيم الرايخ" كان هو اللقب الرسمي لقائد الشوتزشتافل منذ عام 1925. والسبب وراء هذا التزييف له شِقّان، فالشق الأول هو حَجْب  التاريخ الحقيقي، عام 1933، الذي شهد تغيّرا يتمثّل في إدخال الحرفين "إس إس" على اللقب الذي يحمله قائد الشوتزشتافل، والشق الثاني هو التعتيم على العلاقة بين حقيقة ظهور هِملر عام 1929 وبداية استخدام اللقب "زعيم الرايخ – إس إس النازي" قي عام 1933.

ولكنّ الأكثر استفزازا هو ذلك التاريخ الملفَّق الذي يعكف على إخفاء تلك الحقيقة القاطعة التي وقعت عام 1933 وهي أنّ هِملر علا شأنه وتفوّق على هتلر سلطة واسماً ومكانةً بعد التوقيع على معاهدة الرايخ مع الفاتيكان. فقد كان القس هِملر اليسوعي يحمل لقب زعيم الرايخ (رايخ فُوهْرر) وهو ما يُعد لقبا رفيعا مقارنة بمجرد لقب الزعيم (فوهرر) الذي كان يحمله هتلر. وكان لهِملر ولاية مستقلة  كاملة على كل من الشرطة والوحدات شبه العسكرية وجهاز الاستخبارات والبحث العلمي وتطوير الأسلحة وكذلك تلك القوات الخاصة المهولة التي وصل قوامها إلى 50 ألفا عام 1933. ولم تكن لهتلر أية سلطة على هِملر؛ في الواقع إنّ البغض الذي كان يكنّه كل منهما للآخر تظهره لنا الأفلام الأرشيفية عن الحرب حيث تعرض بالتفصيل لغة الجسد التي كانت تصدر عن كليهما.

ومع نهاية الحرب كان الجميع يعلمون أنّ هِملر يسعى لأن يكون وسيطا في معاهدة سلام تخدم مصلحته الشخصية، ولم يكن بمقدور هتلر أن يتخذ أي إجراء ضد هِملر بهذا الصدد، وهذه الحقيقة تعد دليلا دامغا على أن هتلر كان دمية تحركها قُوَى أكبر منه.

وأخيرا، فإن هتلر وأتباعه المخلصون لم يحاولوا اغتيال هٍملر قط رغم ما كان يمارسه الأخير من اغتصاب سافر لسلطة هتلر في كثير من الأحيان، وهذه الحقيقة تشير إلى أنّ لقب "زعيم الرايخ – إس إس النازي" و المدلول الذي يحمله شعار "إس إس" كانا في غاية الأهمية.

المعنى الحقيقي لشعار الـ"إس إس" الذي اتخذته النخبة النازية:

وكما ذكرنا آنفا، فإنه ليس من المنطق اقتباسُ الحرفين إس إس من كلمة "شوتزشتافل" التي لا تعدو أن تحمل معنى "فرقة". وكثيرا ما يتجاهل الناس تلك الحقيقة الهامة وهي أن استخدام الشوتزشتافل  (الفرقة الخاصة التي كانت تحت إمرة هِملر) لشعار "إس إس" قد جاء  بعد أن شهِدَ هِملر بنفسه فعاليات التوقيع على معاهدة الرايخ مع الفاتيكان عام 1933.

وقبل أن يستخدم هِملر شعار "إس إس"، فكثيرا ما كان يُستخدَم هذان الحرفان بصفة رسمية، اختصارا للاسم الشرعي للفاتيكان وهو سِيدِس ساكرورَم (الكرسي البابوي)، منذ القرن السادس عشر كعلامة تصديق على الوثائق الرسمية التي يصدرها الفاتيكان.

وإنها لمصادفة غير عادية أن يبدأ هِملر ورجال فرقته الخاصة يضعون شعار "إس إس" على ملابسهم العسكرية فور التوقيع على معاهدة الرايخ عام 1933 مع الـ"إس إس" أو السِيدِس ساكرورَم (الكرسي البابوي). وعلى ضوء الأربعمائة سنة التي ارتبط فيها شعار الـ"إس إس" بالكرسي البابوي، فإنه من المنطقي أن نستنتج أنّ ارتداء هِملر ورفاقه ذلك الشعار أمر مرتبط ببعض السلطات الدينية والدنيوية الغير معلن عنها والتي أضفاها "إس إس" أو الكرسي البابوي على قوات الـ"إس إس" أو الشوتزشتافل.

عندما يمعن المرء التفكير في أن أفضل ترجمة لشعار "إس إس النازي" هي "فرسان الكرسي البابوي" وفي أنّ أفضل ترجمة لدور هِملر هي أنه كان قاضي قضاة محاكم التفتيش وفي أن أكثر من ثمانية عشر مليونا من الأبرياء قد أُحرِقوا أحياء في معسكرات تقديم القرابين البشرية بروسيا وبولندا، فإنه سَيتفطن إلى أن قوات الـ"إس إس" كانت دون شك "الجيش المقدس" الجديد الذي يقوم بدور محاكم التفتيش ضد "المهرطقين" تحت إشراف الفاتيكان بروما.

وما أنْ يدرك المرءُ تلك الحقائق والمعاني، فإنه سيُصدِّق ما أشيع عن حرق الملايين أحياء؛ فتلك الممارسات هي المذهب الرسمي الذي تنتهجه الكنيسة الكاثوليكية الرمانية لمعاقبة المهرطقين إلى يومنا هذا. كما سيتّضِح لنا السببُ الذي دفع قوات إس إس النازية لبناء معسكرات الموت و السببُ وراء استهدافِ عدة ملايين من البشر. كذلك سنجد تفسيرا لتلك الطاقة الهائلة التي بُذِلَت للقيام بأعمال متناهية في الشر. فقد كان النازيون بمثابة الجنود الكاثوليكيين المخلصين الذين يعملون تحت إمرة محاكم التفتيش اليسوعية  التابعة للفاتيكان والتي استمرت من عام 1933 وحتى عام 1945.

النازيون اليوم:

ولما كانت التنظيم النازية (فرسان الرايخ) قد نشأت بموجب مرسوم بابَويّ وبمقتضى وثيقة معاهدة الرايخ عام 1933، فإن استمرار وجود تلك التنظيم متوقّف على سريان تلك الوثيقة القانونية. فإذاّ أخذنا بعين الاعتبار أنّ الحكومة الألمانية والكرسي البابوي (الفاتيكان) مازالا يلتزمان بتلك المعاهدة إلى يوم الناس هذا، فإن التنظيم النازية مازالت مُفَعَّلة من الناحيتَين القانونية والفنية.

وفي عام 1945، تغيّر قياديّو التنظيم النازية، بناءﹰ على أوامر مباشرة من جانب البابا بيوس الثاني عشر، ليصبحوا أمريكيين بعد أن كانوا ألمانيين. ومن أجل الإبقاء على جهاز استخباراتي عسكري عالمي معتّبَر، فقد تأسست وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) والتي مازالت إلى اليوم القوة الأساسية التي يرتكز عليها "فرسان الكرسي البابوي".