رينيه جينون

René Guénon

ميتافيزيقي وكاتب فرنسي؛ والمسؤول الأول عن إرساء القواعد الميتافيزيقية التي قامت عليها تلك المدرسة الفكرية المعروفة بالمدرسة الإرثوية (Traditionalist) أو الخالدة (Perennialist) وذلك في بواكير القرن العشرين. ويمتد تأثير جينون إلى يومنا هذا نظرا لكتاباته عن الرمزية والباطنية الروحانية والالتحاق بالجماعات الباطنية وكذلك كتاباته عن الحقائف الكلية المشتركة التي تتجلى – في زعمه – في مختلف المعتقدات الدينية في العالم.

وُلِـد رينيه جينون عام 1886 في مدينة بلوا بفرنسا ونشأ في بيئة كاثوليكية محافِظة وتتلمذ على اليسوعيين.1

انتقل في شبابه إلى باريس لدراسة علم الرياضيات بكلية رولين. إلا إنّه ما لبث أن انصرف بهمَّته عن الدراسات الأكاديمية فانقطع عن الدراسة الجامعية عام 1905. وانغمس جينون في عدد من الحركات الباطنية الفرنسية وصار عضوا بارزا في عدة منظمات سرية والتي كان من بينها الجمعيات الثيوصوفية والروحانية والماسونية و"الغنوصية". وفي عام 1909، قام جينونن بتأسيس مجلة باطنية بعنوان "الغنوص" أي "العرفان". وقد دامت تلك المجلة لمدة تربو على سنتين وحوت معظم كتابات جينون في تلك الفترة الزمنية.

وقد أشار وِيْـتال بيري إلى أن "العنصر المحفز" في ذلك هو اتصال جينونن بأشخاص ينتمون لمدرسة أدفيتا فيدانْتا.فقد كانت تلك هي الفترة التي شرع خلالها جينون في دراسة الهندوسية والطاوية، وربما الإسلام، دراسةً جادة ومستفيضة.

فخرج جينون حينذاك من العالم الباطني، الذي كان يتسم بشيء من السرية والغموض، وانتقل إلى وسط كاثوليكي متزمت؛ فعاش حياةً حافلةً اجتماعيا وفكريا. وقد تأثر بعدد من المُفَكِّرين الكاثوليكيين البارزين في ذلك الوقت؛ وكان من بينهم جاك ماريتان والقس بِـيْلُوب والقس سِرتِـيلُونج وشخص يـُـدْعَى م. مـِـيُــو يُـلقي دروسا في جامعة السوربون عن فلسفة العلوم. وقد اشتهر جينونن أكثر ما اشتهر في الفترة ما بين 1912 و1930. فقد حضر محاضرات بالسوربون وكثرت كتاباته التي انتشرت على نطاق واسع وقرأها الكثيرون وألقى محاضرة عامة واحدة على الأقل كما كانت له العديد من العلاقات الاجتماغية والثقافية التي حافظ عليها. وقد نَشَر أُوْلى مؤلفاته في عشرينات القرن العشرين وسرعان ما ذاع صيته بسبب مصنفاته التي تناولت موضوعات فلسفية وميتافيزيقية.

وأيًّا ما كانت قناعات جينون الشخصية في تلك الفترة، فقد كان من بين محاور اهتمامه التوصل إلى إمكانية وجود باطنية نصرانية في العقيدة الكاثوليكية. (فكان دائما ما يفتقر إلى معلومات كافية عن الأبعاد الباطنية في المعتقدات الشرقية).  وفي بعض أعماله التي صنفها في تلك الفترة، كان يَـتخيَّـل الكاثوليكيةً وهي متجددة خصيبة منتعشة بعد استعادة إرثها الباطني (ما كان بها من عقائد باطنية)؛ كما كان يتخيل "تصحيحها" من خلال ما سمّاه بـــ"الإدراك". وقد انتظم في كتابة مقالات لمجلة  "رِنْـيابِـيْـت" (Regnabit) المكرسة للقلب المقدس والتي كانت تصدر تحت إشراف مؤسسها القس أنِـيْـزان. وتكشف تلك المقالات عن تغير في توجُّــه جينونن الفكري إذ صارت فكرةُ "الإرث" (tradition) الموضوعَ المهيمنَ على كتاباته. وبعض من تلك الكتابات الدورية موجود بكتبه التي ألفها فيما بعد.

وفي شهر يناير من عام 1928، توفيت زوجة جينون دون مقدمات؛ وبعد سلسلة من الظروف العرضية المواتية، سافر جينونن إلى القاهرة في زيارة تستغرق ثلاثة أشهر؛ إلا إنه مكث هناك حتى وفاته في عام 1951.

وفي القاهرة، انضم جينون إلى الطريقة الشاذلية الصوفية وصار يُـعرَف بـــ"عبد الواحد يحيى"؛ وتزوج مرة أخرى وعاش حياة بسيطة منعزلة. وقد ظل جينونن منكمشا على نفسه لدرجة أنَّ إحدى المعجبات بكتاباته كانت في غاية الاندهاش حين اكتشفت أن جارها الوقور الذي طالما عرفـَـتـْـه باسم الشيخ عبد الواحد يحيى هو في حقيقة الأمر رينيه جينون.

وفي الثلاثينات، صرف جينون قدرا كبيرا من طاقته للتواصل مع قرائه في أوروبا من خلال كم هائل من المراسلات؛ وغالبا ما كان هؤلاء القراء يبحثون عن الانضمام إلى طائفة ما أو يطرحون تساؤلات عن الموضوعات التي تناولها في كتبه ومقالاته. وأغلب أعمال جينون المنشورة عقب انتقاله إلى القاهرة ظهرت في مجلة "الدراسات العَقَديَّة" (وكانت تَصدُر باسم "نـِـقاب إيزيس" حتى عام 1937)، والتي كانت مجلة ثيوصوفية قبل أن يستخدم جينون نفوذه في تحويلها إلى ما يُـسمَّى بالمنتدى الأوروبي الرئيسي للفكر الإرثوي. ولولا الحرب لما استطاع جينون أن يحصل على هدنة كافية، من مراسلة قُــرَّائه، تُـمكِّنه من التفرغ لكتابة بعض أعماله الكبرى والتى كان من بينها كتاب بعنوان "سلطان الكَم" (1945).

ومع تَــقدُّم سنـِّـه، زاد انشغال جينون بمسائل تتعلق باعتناق عقائد باطنية أصيلة؛ وقد نـَـشَر ما لا يقل عن خمسة وعشرين مقالا بهذا الشأن في مجلة "الدراسات العقديَّة" حيث تناول ذلك الموضوع من عدة أوجه. وظل جينون مهتما بفكرة إمكانية وجود قنوات حقيقية تؤدي إلى اعتناق النصرانية. كذلك فإنه لم يعْدِل أبدا عن اهتمامه بالماسونية؛ فقد عاد يتناول هذا الموضوع في بعض كتاباته الأخيرة. وقد توصل في النهاية، وكان ذلك قُبيل وفاته، إلى انعدام الأمل في حصول تجدد باطني سواء في الماسونية أو الكاثوليكية.

وقد كانت لجينون أعمال كثيرة ككاتب. فقد نشر سبعة عشر كتابا في حياته بالإضافة إلى ما لا يقل عن ثمانية من المؤلفات والمجموعات الأدبية التي نشرت بعد وفاته. وفي عام 1909، نجد أنّ جينون يكتب عن "... العقيدة الأزلية التي لا تتغير، في واقع الأمر، من مكان لآخر وإنما تظل كما هي بصرف النظر عن الأشكال المختلفة التي تـتخذها لــتُــناسِــب كل جنس وكل مرحلة تاريخية." وكما ذَكَــر غاي إيتون، فإن جينون "يؤمن بوجود عقيدة كلية مشتركة؛ وهذه العقيدة قد أُوحِيَت للإنسانية في بداية دورة الزمن الحالية إلا أن جزءا منها قد فُقِد... وإنه لا يهتم بتفاصيل الأشكال المختلفة التي اتخذتها تلك العقيدة ولا بتاريخ اضمحلالها قدر اهتمامه بلُــبِّــها وجوهرها ألا وهو تلك المعرفة الخالصة الثابتة التي يسهل على الإنسان الوصول إليها من خلال أي عقيدة إرثوية."

ويمكن أن ننظر إلى أعمال جينون، بداية من أولى كتاباته في عام 1909 فصاعدًا، على أنها محاولة للتعبير عن تلك المبادئ الخالدة التي تؤثر في جميع العقائد الإرثوية. ويتناول جينون في كتاباته عددا كبيرا من الموضوعات كالفيدانتا، والموروث العقدي الصيني، والنصرانية والصوفية، والتراث الشعبي والأساطير في جميع أنحاء العالم، والمعتقدات الباطنية في الغنوصية، و السيمياء، والكابالا، إلى آخره. ودائما ما كان ينـَـقِّب في كتاباته عن المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها تلك العقائد وكان يصرُّ على إظهار تلك العقائد كمظاهر شكلية لذات العقيدة الأزلية.

وهناك موضوعات رئيسية معينة تكرر في كل كتاباته؛ فمن يقرأ لجينون يَـتعـرَّض كثيرا للمفاهيم والأفكار التالية: مفهوم الميتافيزيقا الذي يتخطى جميع الأنظمة العقدية؛ تعريف الميتافيزيقا و"تصوير" المعرفة الروحية إن صح التعبير؛ التمييز بين المجالين العام والباطنيّ؛ تــفَــوُّق المعرفة العقلية وعصمتها من الخطأ؛ التباين بين الغرب الحديث والشرق التقليدي؛ الإفلاس الروحاني الذي تعاني منه الحضارة الأوروبية الحديثة؛ النظر للزمن على أنـَّه عبارة عن دورة، وهذه النظرة تستند أساسا إلى العقيدة الهندوسية المتعلقة بالدورة الكونية؛ والنظر إلى التاريخ على أنه لا يتطور.

 واختصارا، فإننا يمكن أن نصنـِّـف كتابات جينون إلى خمس فئات كل منها يرتبط تقريبا بمرحلة معينة من مراحل حياته: المقالات التي كتبها قبل عام 1912 بالمجلات الباطنية؛ المقالات التي تفضح أمر الباطنية، خاصةً الروحانية والثيوصوفية؛ الشروح المفصلة للميتافيزيقا الشرقية؛ الكتابات التي تتناول كلًّا من الموروث العقدي الأوروبي ومسألة اعتناق أي دين؛ وأخيرا الكتابات الناقدة للحضارة الحديثة. وقد يكون هذا التصنيف تعسفيـًّـا إلى حد ما، ولكنه يساعد حقا في تعيين بعض النقاط الرئيسية وبؤَر الاهتمام في أعمال جينون.

وقد بدأ جينون يهتم بالعقائد الميتافيزيقية الشرقية عام 1909 تقريبا؛ فكان بعضا من أولى مقالاته بمجلة "الغنوص" مخصَّصا للحديث عن ميتافيزيقا الفيدانتا. وكان كتابه الأول "مقدمة لدراسة العقائد الهندوسية"(1921) قد ميـَّـزَه عن قرنائه في المجال وأظهره كمُــعلِّق ومـُـحلِّل ذي خبرة نادرة. كذلك فقد بــيَّـــن الكتابُ عظيم قدرة جينون على نقد الحضارة المعاصرة. وقد كتب سَــيِّــد حسين نصر عن ذلك الكتاب ما يلي: "لقد كان كصاعقة مباغتة؛ كان تدخُّلا مفاجئًا في العالم الحديث؛ كان جسدا من المعرفة؛ كان منظورا مغايرا تماما للمناخ السائد ونظرة الناس؛ كما كان معارِضا تماما لكل خصال العقلية الحديثة."  

إلا أنَ الكتاب المحوري الذي كتبه جينون عن الفيدانتا نـُشِـر عام 1925 بعنوان "الإنسان ومصيره وفقا للفيدانتا".

ومن بين أعماله البارزة  في مجال العقائد الشرقية: "الميتافيزيقا الشرقية"، وهي محاضرة ألقاها بالسوربون عام 1925 ولكنها لم تُطبَع وتُنشَر إلَّا عام 1939؛ والثالوث العظيم، وهو كتاب يستند إلى العقيدة الطاوية؛ والكثير من المقالات حول موضوعات مثل الأساطير الهندوسية والطاوية والكُنفُوشْيوسِيَّة وعقيدة التناسخ. ومن المثير للاهتمام أنّ جينون ظل لسنوات عديدة غافلا، نوعا ما، عن العقيدة البوذية إذ كان يخالها "تطورا بِدعِيا" داخل الهندوسية ولم يكن يعلم أنها ديانة رسمية متكاملة. ولم يكن جينون ليحسم أمره ويراجع موقفه من البوذية دون إيعاز من ماركو باليس، أحد من كانوا يترجمون له، وأناندا كوماراسوامي.

وأثناء العشرينات من القرن الماضي، وبينما كان يتقلب في الجماعات الفرنسية الكاثوليكية، صرف جينون انتباهه إلى بعض جوانب التراث الروحاني الأوروبي. وبالإضافة إلى العديد من المقالات التي كتبها جينون حول تلك الموضوعات، مثل "الكهنة" و"الكأس المقدسة" و"الرمزية النصرانية" و"المتكررات الفولكلورية"، فقد صنَّـف جينون عدة أعمال رئيسية في هذا الصدد مثل "باطنية دانتي" (1925) و"سانت بِرنار" (1929) و"رمزية الصليب" (1931). وهناك عمل آخر بعنوان "السلطة الروحية والقوة الزمنية"، والذي كان سبُبه قضايا جدلية معينة.

ومن بين أعماله التي ربطت بين عدد من موضوعاته الرئيسية: "أزمة العالم الحديث" (1927) و"سلطان الكم وعلامات الزمن" (1945). وكان جينون قد تَــطَــرَّق إلى الأفكار الرئيسية بهذين الكتابين في كتاب سابق عليهما بعنوان "الشرق والغرب" (1924). وقد شنت هذه الكتب هجوما مدروسا لا هوادة فيه على أُسُس الرؤية الأوروبية المعاصرة للعالم.

ورغم أن تأثير جينون في عموم الوسط الأكاديمي الغربي مازال ضعيفا، فإنّ له قدم السبق في ظهور الفكر الإرثوي. فهو وكوماراسوامي وشُوان يشكلون ما سمَّاه أحد المعلِّقين "الثلاثي العظيم" (the great triumvirate) بالنسبة للمدرسة الإرثوية.

 

أسماء بديلة: ريني غينون؛ رينيه جينو

  • 1. John Herlihy, ed. The Essential René Guénon (World Wisdom, Inc, 2009), p. 275.