أنت هنا

عبادة الشمس

Sun Worship

قبل ألفي عام تقريباً من ميلاد المسيح عليه السلام وُلد نبي الله إبراهيم عليه السلام بأرض الجزيرة من العراق حيث تعاقبت حضارات السومريين والأكاديين والبابليين. وكان مولده عليه السلام ببلدة «أور»[1] التي ارتحل عنها إلى حرَّان ثم فلسطين التي كان يقطنها الكنعانيون حينئذ.

عُرفت أرض الجزيرة آنذاك بعبادة الكواكب التي صُورت لها الصور وبنيت لها الهياكل. فكان في «أور» أشهرُ هيكل للإله القمر «نَانّا» Nanna  . كما بُني له هيكل في «حرّان» زمن الأكاديين الذين كانوا يدعونه الإله «سين» Sin. ووفقاً لأساطير الأكاديين فقد أنجب الإلهُ القمرُ من زوجته ثلاثة آلهة هم آلهةُ الشمسِ، والزهرةِ (أو عشتار)، وإله العواصف والمطر «هدَد» Adad. وأصبحت آلهة القمر Sin والشمس Shamash والزُّهرة Ishtar ثالوثاً يعبد من دون الله.[2]

يقول الله تعالى واصفاً مناظرة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) )) [ [الأنعام: 74-78].

قال ابن كثير في تفسيره:

"والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبيَّن في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صورة الملائكة السماوية ... وبيَّن في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل. وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة ..."[3]

فلما كانت الشمس أكثر الأجرام إضاءة كانت عبادتها هي الغالبة على تلك الشعوب القديمة في بلاد الرافدين وغيرها كمصر والشام. وأصبحت الآلهة الأخرى تجلياتٍ أو تجسداً للإله الشمس. يقول «قاموس الكتاب المقدس» – الذي حرره «جيمس هيستينجْز» تَحْت مدخل «ديانة بابل»:

"... معظم الآلهة المحلية التي كانت تُعبد في مدن بابل القديمة هي آلهة شمس. فبالإضافة إلى المركزين الرئيسين لعبادة الشمس «سيبار» في بابل الشمالية و«لارسا» في الجزء الجنوبي كان الإله الحامي لشيربورلا (أو نينجرسو) إله شمس. والإله «نِِرجال» الذي كان يعبد في مركز مهم آخر – كوثة – هو كذلك إله شمس. ومثله «زامالمال» الذي كان لمدينة مهمة هي «كيش». بينما  كان «مردوخ»[4] – الذي هو في أصله إله مدينة بابل فحسب، ثم صار بنمو المدينة كعاصمة لولايات بابل المتحدة رئيسَ هيكل الآلهة – إلهَ شمس بلا ريب ... وبميل مماثل لتقنين العقائد الذي نتج عنه تركيز إلهات المراكز الأكثر أهمية في شخص إلاهة واحدةٍ هي «عشتار» كذلك بمرور الزمن صار يُنظر إلى آلهة الشمس المحلية العديدة كصور وتجليات شتى للجرم الواحد العظيم."[5]

وكما انتشرت عبادة الشمس بمظاهر شتى انتشرت عبادة «عشتار» بأسماء عدة. فعُرفت الأخرى عند السومريين باسم «إنانَّا» Inanna وعند الأكاديين والبابليين باسم «عشتار» Ishtar وعند المصريين باسم «إيزيس» Isis وعند اليهود باسم «عشتورِت» Ashtoret (أو بصيغة الجمع «عشتاروت») وعند العرب باسم «عَثْتر»[6] وعند الإغريق باسم «أفْروديت» Aphrodite وعند الروم باسم «فينوس» Venus.[7] بل أصبح «عيد الفصح» عند النصارى يدعى «إِيسْتَر» Easter وهو تطوُّر لاسم «عِشتار».

تطور عن هاتين العبادتين – أعني «عشتار» و«الشمس» - ثنائية عُرفت في بلاد الرافدين بأسطورة «إنانَّا ودُموزي» أو «عشتار وتموز». وهي تصور لنا الإله الشمس «تموز» رسولاً لعشتار «ملكةِ السماءِ» إلى العالم السفلي ليستجيب لصرخات المزارعين الجَوعى فيقدم خلاصاً للبشر. فهو الإله الذي يهبط إلى «العالم السفلي» أثناء «الانقلاب الصيفي» ليعود ساحباً وراءه خضرة الربيع أثناء «الانقلاب الشِتوي». هذه الأسطورة كانت المصدر الذي بنيت عليه فيما بعد أساطير الأم الكبرى وابنها (أو زوجها)، بشتى أشكالها وألوانها.

وقد أثَّرت هذه الأسطورة في أساطير الكنعانيين والمصريين والإغريق والروم من بعد، وصار «تموز» يعرف بأسماء أخر مثل «أدونيس» Adonis و«بعل» Baal و«أوزيريس» Osiris (أو «حورس» Horus) و«ديونيسوس» Dionysus و«آتيس» Attis. ثم رحلت الأسطورة إلى قلب الكنيسة الكاثوليكية الرومية متمثلةً في عبادة «السيدة العذراء والابن». ورغم تعقد الطقوس الزراعية فيما بعد إلا أن هذا القربان الإلهي الذي نزل من السماء لخلاص الأرض لم يبتعد عن جوهره القديم كما مثَّلته أساطير الأولين وإليك أهمها.



[1] وقيل بغيرها.

[2]  Encyclopedia Britannica – Standard Edition CD-ROM (Encyclopedia Brittanica, Inc., 2002), "Ishtar".

[3] ابن كثير. تفسير القرآن العظيم (دار السلام ودار الفيحاء، الطبعة الأولى، 1414) ج 2، ص 204.

[4] إسم "مردوخ" في السومرية هو «أمار-أوتو» amar.utu أي «عجل الشمس». وفي هذا ربط بين صورة العجل وبين عبادة الشمس.

[5] Hastings, James. A Dictionary of the Bible (The Minerva Group, Inc., 2004), vol. V, p. 542.

[6] وقد تكون عبادتها نشأت أصلاً في جزيرة العرب بين أقوام العرب البائدة كما يرى البعض، والله أعلم.

[7] Turner, Patricia. Dictionary of Ancient Deities (Oxford University Press, 2001), p. 242.