تأهبوا للفينكس!

مجلة الإيكونومست، عدد يناير 9، 1988، المجلد: 306، الصفحات 9، 10.

بعد ثلاثين عامًا من الآن، قد يستخدم الأمريكيون واليابانيون والأوروبيون وشعوب في دول أخرى غنية، ودولٍ فقيرةٍ نسبيًا، العملة ذاتها لسداد تسوُّقِهم. سوف تسعَّر القيمة لا بالدولار، ولا بالينِّ ولا بالمارك الألماني، وإنما لِنَقُل بعملة «الفينكس». سوف يكون الفينكس مفضلاً من قبل الشركات والمتسوقين لأنه سيكون أكثر ملاءمة من العملات القومية الموجودة حاليًا، والتي سوف تبدو، بحلول ذلك الوقت، سببًا عجيبًا لمزيد اضطراب في الحياة الاقتصادية في القرن العشرين المنصرم.

مع بدء عام 1988 يبدو هذا تنبؤًا شاطحًا. لقد ازدادت مقترحات توحيد العملة منذ خمس وعشر سنوات خلت، لكنَّ هذه الاقتراحاتِ لم تضع في الحسبان نكَسات عام 1987. حاولت حكوماتُ الاقتصادات الكبرى أن تتحرك شبرًا واحدًا أو شبرين باتجاه نظامٍ لأسعار الصرف يكون أكثر قابلية للإدارة، وهي على ما يبدو خطوة تمهيدية منطقية تجاه الإصلاح الجذري للعملة. ولكن بسبب غياب التعاون في السياسات الاقتصادية المتضمنة، فقد تصرفت هذه الحكومات بشكل أخرق، واستفزت صعودًا في معدلات الفائدة أدى إلى انهيار سوق الأسهم في شهر أكتوبر. وقد أدَّبت هذه الأحداثُ إصلاحيي أسعار الصرف الذين علَّمهم انهيارُ السوق أنَّ التظاهر بالتعاون في السياسات قد يكون أمرًا أسوأ من غياب هذا التعاون أصلًا، وأنه إلى أن يكون هذا التعاون الحقيقي أمرًا ممكنًا (أي حتى تتنازل الحكومات عن شيءٍ من سيادتها الاقتصادية) فإنَّ أية محاولات أخرى لتثبيت العملات ستظل تتخبط.

لكن على الرغم من كل الصعوبات التي تلاقيها الحكومات في الوصول إلى اتفاقيات دولية حول سياسات الاقتصاد الكلي، والالتزام بها (وهو الأشد صعوبة)، فإنَّ القناعة التي تزداد رسوخًا، هي أنَّ أسعار الصرف لا يمكن أن تُترك وشأنَها. تذكَّر أنَّ اتفاقية «اللوفر» وسلفها اتفاقية «بلازا» في سبتمبر 1985 كانتا إجراءين طارئين للتعامل مع أزمة عدم استقرار العملة؛ إذ ارتفع الدولار ما بين عامي 1983 وَ 1985 بنسبة 34٪ في مقابل عملات شركاء أمريكا التجاريين. ومنذ ذلك الوقت، انخفض بنسبة 42٪. وقد أدت مثل هذه التغيرات إلى تحريف نمط الأفضلية المقارِنة الدولية خلال أربع سنوات بشكل أكثر حدة مما قد تتسبب فيه القوى الاقتصادية ذات الصلة في جيل بأكمله.

في الأيام القليلة الماضية، تدخلت البنوك المركزية في العالم مجددًا في أسواق العملة، خوفًا من انهيارٍ آخر للدولار. وحُوِّل الوزراء محبو السوق كالبريطاني «نايجل لوسون» إلى مناصري قضية استقرار أسعار الصرف. ويأخذ المسؤولون اليابانيون بجدية فكرة المشاريع الشبيهة بنظام النقد الأوروبي للاقتصادات الصناعية الأساسية. وبصرف النظر عن الفشل المخجل لاتفاقية اللوفر، فإنَّ ثمة قناعة ما تزال قائمة بوجوب فعل شيء حيال أسعار الصرف.

يقينًا سوف يتم عمل شيء ما خلال عام 1988. ولن يطول المقام بعد توقيع اتفاقية العملة التالية حتى تنتهي إلى المصير ذاته الذي حاق بالأولى؛ سوف تنهار. فالحكومات أبعد ما تكون عن الاستعداد لإخضاع أهدافها المحلية لهدف الاستقرار الدولي. لا بد من اضطرابات كبيرة وعديدة في أسعار الصرف، ومزيدٍ من انهيارات سوق الأسهم، وربما كساد أو كسادين قبل أن يرغب السياسيون في مواجهة هذا الخيار مباشرة. وهذا مؤشر على نسقٍ مرتبكٍ من حالات الطوارئ، تتلوها عمليات ترقيع، تتلوها طوارئ، وستمتد أبعد بكثير من 2018، باستثناء أمرين. فمع مرور الوقت، سيزداد الضرر الناجم عن عدم استقرار العملة تدريجيًا. والنزعاتُ ذاتُها التي سوف تجعله يزداد هي التي ستجعل طوباوية الوحدة النقدية أمرًا ممكنًا.

الاقتصاد العالمي الجديد

إنَّ أكبر تغير في اقتصاد العالم منذ بدايات السبعينيات هو أنَّ تدفقات المال قد حلت محل الاتجار بالبضائع بصفتها القوة التي تقود سعر الصرف. ونتيجة لاندماج الأسواق المالية العالمية الذي لا هوادة فيه، فإنَّ الفروق في السياسات الاقتصادية القومية قد لا تربك أسعار الصرف (أو التوقعات بأسعار الصرف المستقبلية) إلا بشكل طفيف فحسب؛ إلا أنها ما زالت تتطلب تحويلات ضخمة للأصول المالية من دولة لأخرى. هذه التحويلات تغمر تدفق عائدات التجارة في تأثيرها على العرض والطلب للعملات المختلفة، ومن ثم في تأثيرها على أسعار الصرف. ومع استمرار التقدم في مجال الاتصالات، فإنَّ هذه المعاملات سوف تكون أرخص وأسرع. ومع السياسات الاقتصادية غير المنسقة، فإنَّ العملات لن تزداد إلا تقلبًا.

إلى جانب هذا التوجه، ثمة توجه آخر وهو فرص التجارة الدولية التي تزداد اتساعًا. وهذا أيضًا هبة التقنية المتقدمة. فانخفاض تكاليف النقل سوف تجعل من الأسهل لدولٍ تبعد عن بعضها مئات آلاف الأميال أن تتنافس على أسواق بعضها البعض. وسوف يترسخ قانون السعر الواحد (وهو أنَّ البضاعة ينبغي لها أن تكلف السعر ذاته في كل مكان، ما إن تتحول الأسعار إلى عملة واحدة). وإن أذن السياسيون، فسوف تتْبعُ الاقتصاداتُ القومية أسواقَها المالية في أن تصبح أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي. وسوف ينطبق هذا الأمر على العمالة بقدر انطباقه على البضائع، جزئيًا من خلال الهجرة، لكن أيضًا من خلال قدرة التقنية على فصل العامل عن نقطه تسليمه عملَه. سوف يكون مشغلو الحواسيب الهنود يديرون رواتب سكان نيويورك.

بكل هذه الوسائل، ستتلاشى الحدود الاقتصادية القومية تدريجيًا. ومع استمرار هذا التوجه، يبدو أن إغراء توحيد العملية، بين الدول الاقتصادية الأساسية على الأقل، لن يقاومه أحد من الناس سوى تجارِ وحكوماتِ العملات الأجنبية. في منطقة الفينكس، سوف تجري التعديلاتُ الاقتصادية على التحولات في الأسعار النسبية بشكل سلس وتلقائي، كما هو الحال اليوم بين المناطق المختلفة داخل الاقتصادات الكبرى. وسوف يؤدي الغياب التام لمخاطر العملات إلى تحفيز التجارة والاستثمار والتوظيف.

سوف تَفرض منطقة الفينكس قيودًا صارمة على الحكومات القومية. على سبيل المثال، لن يكون ثمة شيء يُدعى سياسة نقدية قومية. وسوف يُضبط إمداد العالم من الفينكس عبر بنك مركزي جديد، ربما يكون منحدرًا من صندوق النقد الدولي. وسوف تكون معدلات التضخم العالمية ومن ثم، في حدود ضيقة، كلُّ معدلِ تضخمٍ قومي ضمن نطاق مسؤولياته. سيكون بإمكان كل بلد أن يستخدم الضرائب والإنفاق العام لتعويض الانخفاض المؤقت في الطلب، لكن سوف يتعين عليه الاقتراض بدلًا من طباعة المال لتمويل عجز ميزانيته. ومع عدم اللجوء إلى ضريبة التضخم، فإنَّ الحكومات ومقرضيها سوف يضطرون إلى تقويم خطط اقتراضهم وإقراضهم بعناية أكبر مما يفعلونه اليوم. وسوف يعني هذا خسارة كبيرة للسيادة الاقتصادية، لكنَّ التوجهات التي تجعل الفينكس شديد الإغراء تطيح بهذه السيادة على كل حال. حتى في عالم تسوده أسعار صرفٍ عائمةٍ تقريبًا، فإنَّ الحكومات المستقلة قد عاينت استقلالها السياسي وهو يُكبح من قبل عالَم خارجي غير ودود.

ومع اقتراب القرن الجديد، فإنَّ القوى الطبيعية التي تدفع العالم ناحية اندماجٍ اقتصادي سوف تعطي الحكومات خيارًا واسعًا: إما أن تسير مع التيار، وإما أن تتخذ لها متاريس. إنَّ تمهيد الطريق للفينكس سيعني قلة الاتفاقيات السياسية الشكلية ومزيدًا من الاتفاقيات الحقيقية. وسوف يعني السماحَ للقطاع الخاص باستخدام المال العالمي جنبًا إلى جنب مع العملات القومية، ثم الترويج الفعال لهذا الاستخدام. وهذا سيمكِّن الناس من التصويت بمَحافظهم (wallets) للانتقال النهائي إلى توحيد كامل للعملة. ومن المحتمل أن يبدأ الفينكس بصفته خليطًا من عملات قومية، تمامًا كما هو الحال مع «حقوق السحب الخاصة» اليوم. ولكن مع مرور الوقت، لن تعود قيمته في مقابل العملة القومية أمرًا مهمًا، لأنَّ الناس سوف يختارونه لملاءمته واستقرار قدرته الشرائية.

إن البديل الذي هو الحفاظ على استقلال صنع السياسات سينطوي على تنامٍ جديدٍ لضوابط وحشية بالفعل على التجارة وتدفق رؤوس الأموال. وهذا المسلك يوفر فرصةً رائعة للحكومات؛ فبإمكانها إدارة تحركات سعر الصرف، ونشر السياسة النقدية والمالية دون رادع، والتعامل مع الانفجارات التضخمية عن طريق سياسات الأسعار والدخل. إنَّه مستقبل معيق للنمو.

دَوِّنوا في مذكراتكم: «الفينكس» حوالي عام 2018! ورحبوا به عندما يأتي. 

تعديل أو إضافة